غانم قدوري الحمد
65
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
حتى أحدثها وهو ( خلاصة العجلة في بيان مراد الرسالة ) للدركزلي الموصلي . واستطاع علماء التجويد بذلك أن يجردوا المباحث الصوتية المبعثرة في كتب النحو والصرف والقراءات ويجمعوها في كتب مستقلة ، وهذا من أول شروط كون المنهج واضح المعالم محدد الأبعاد غير مختلط بما سواه من كتب العلوم الأخرى . والقضية الثانية البارزة في ذلك الصدد هي أن علماء التجويد قد ميزوا أبحاثهم الصوتية بتسمية جديدة ، فلم يدعوها تحمل اسم علم النحو ، أو علم الصرف ، أو علم القراءات ، وإن كانت ذات صلة بهذه العلوم ، ولكنهم استخدموا لتلك المباحث تسمية جديدة مبتكرة هي ( علم التجويد ) ، وقد استقرت هذه التسمية في وقت مبكر من تاريخ هذا العلم ، وقد ذكرنا أن مطلع القرن الرابع الهجري قد شهد مصطلح ( التجويد ) في ميدان الأبحاث الصوتية المتصلة بقراءة القرآن « 1 » ، وشهد ظهور مطلع القرن الخامس على أقرب تقدير اختيار هذا المصطلح اسما لمجموع تلك الأبحاث ، ولم يمض وقت طويل من ذلك القرن حتى استقرت هذه التسمية الجديدة . وإذا كنا نجد أن أول مصنف في علم التجويد ، وهو قصيدة أبي مزاحم ( ت 325 ه ) جاء خاليا من استخدام مصطلح ( التجويد ) وأن الكتاب الثاني وهو كتاب ( التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي ) للسعيدي ( ت في حدود 410 ه ) استخدم ذلك المصطلح في مادة الكتاب دون عنوانه ، فإن مكي بن أبي طالب ( ت 437 ه ) استخدام المصطلح على الصعيدين معا ، فقد قال عن تسمية الكتاب : « وسميت ما ألّفت من ذلك بكتاب الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة بعلم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها وألقابها » « 2 » . ويبدو هنا أن مكيا كان مترددا في التسمية بين ( علم التجويد ) و ( علم مراتب الحروف ومخارجها وصفاتها ) ، كما يبدو ذلك من العنوان الطويل الذي اختاره لكتابه ، وقد أظهر مكي تعلقا بالاسم الثاني في ثنايا كتابه الرعاية ، فقال وهو يتحدث عن دور المخارج والصفات في اختلاف وقع الأصوات في السمع : « واعلم أنه لولا اختلاف المخارج لم يفرق في السمع بين حرفين أو حروف على صفة واحدة . وقد تقدم منه جملة فافهمه ، فعليه مدار علم مخارج الحروف وصفاتها وقوتها وضعفها وتقاربها وتباعدها وإدغام بعضها في
--> ( 1 ) انظر : المبحث الأول من هذا الفصل . ( 2 ) الرعاية ص 43 .